الايقونات العربية والحوار المسيحي الإسلامي

    شاطر
    avatar
    MiChAeL_dA
    الإدارة العامة
    الإدارة العامة

    ذكر
    عدد الرسائل : 447
    العمر : 30
    مكان الإقامة : SYRIA
    تاريخ التسجيل : 31/10/2007

    بدون الايقونات العربية والحوار المسيحي الإسلامي

    مُساهمة من طرف MiChAeL_dA في 2007-12-08, 00:11

    تُولِي (الجمعيةُ البولسية) العملَ المسكوني والحوارَ
    مع المسلمين أهميةً خاصة" (البند 3 من قوانين الجمعية البولسية التي اليها
    أنتمي). هكذا نشأتُ وعلى ذلك تربيت. وقد كرّستُ حياتي كلها للعمل على
    تقريب المسيحيين في ما بينهم، وعلى التقريب بين المسيحيين والمسلمين ما
    أمكن، لاكتشاف ما يجمع
    ويوحّد، برغم التباينات، وذلك لإيجاد سبل التفاهم والمودّة والتعاون بين
    أبناء شعبنا الواحد. واتخذتُ شعارا لأسقفيتي كلمة الرسول بولس:
    "صِرتُ كُلاًّ للكل" (1 كو 9: 22).

    وإن كنتُ، على مدى عقدين من الزمن، دأبتُ على إصدار "رزنامة المعلم" لكل
    سنة، مزيَّنة بأشهر وأجمل الإيقونات البيزنطية، فقد ارتأيتُ، للسنة
    الجديددة 2008، أن أصدر رزنامتي بعنوان "الإيقونات
    العربية"، متوخّيا بنوع خاص إبراز دَوْر الملكيين العرب، من كاثوليك
    وارثوذكس، في تعريب الإيقونة. انه تراثنا الإيقونوغرافي العربي الثريّ
    المميَّز، الذي طوَّره آباؤنا وأجدادنا، ولاسيما في "مدرسة حلب"،
    و"مدرسة القدس" او "المدرسة القدسية او المقدسية". إن هو إلاّ سجلٌ منير
    لمشاهيرالرسامين الكنسيين العرب، الذين خطَوا بالفن الإيقونوغرافي فأحيوه
    وطوّروه، ووسموه بطابع خاص، ذي هوية عربية، واضحة الخطوط والمعالم.
    فكانت وجهًا من وجوه نهضة مباركة قام بها آباؤنا، يوم كانت الأمة كلها
    رازحة تحت نير الحكم العثماني الطويل، المحاول أن يدوس بجزمته كرامتها،
    بسياسة التجهيل والتتريك ومحو الأصالة والهوية.

    لقد كان بعض اولئك الرسّامين وبعض آثارهم معروفا الى حدٍّ ما، ولكن
    السنوات الأخيرة كشفت لنا أسماءً وآثارا جديدة مجهولة، كانت مخبوءة ضمن
    كنوز يحتفظ بها أصحابها من أفراد أو مؤسسات. فجاءت الهزّات والحروب وموجات
    النزوح والهجرة ، فبعثرَتها ونشرَتها. وراح الباحثون وأصحاب الاختصاص
    يتقصون أخبارها، فإذا الدراسات والمقالات والمؤلَّفات تتوالى متسارعة،
    وإذا خصائص وميزات هذا الفن الإيقونوغرافي العربي تتبلور بوضوح. فالوجوه
    الى استدارة في الخطوط وسمرة في الألوان، والشفاه الى شيء من الانتفاخ،
    والألبسة الى البَرّاق الزاهي، والأصباغ مميَّزة فريدة يستخرجونها بأنفسهم
    ويستحضرونها من بعض النباتات التي لهم وحدهم سرّ استنباتها وتربيتها،
    والزيّ لا يخلو أحيانا من اللفّات والعمائم والأردية والعباءات العربية،
    والكتابات اليونانية تتقلص لصالح العربية، بل لا يبقى أحيانا الا العربية،
    بحرف جميل، وبخط يتوخى هنا وهناك التشبه بخط القرآن ، فتأتي "الصلوة" مثلا
    بدل الصلاة، والتاء المبسوطة بدل المربوطة، فيكتبون مثلا: عصات هرون،
    ومنارة الذهب، وجرّت المنّ...والتقارب بين المسيحية والإسلام عبر الإيقونة
    لا يقتصر، في نظرنا، على مثل هذه الإشارات الخارجية فقط، بل هو يتعداها
    الى العمق والجوهر. أليس معروفا ان نبي الإسلام، حين اراد إزالة الأصنام
    في الكعبة، غطّى بيديه صورتين هناك للمسيح ولأمه العذراء، وأمر بإبقائهما
    ومحو كل ما سواهما ؟ أو ليست مواضيع الإيقونات هي نفسها أحيانا في الإنجيل
    والقرآن، كما الحال في بشارة مريم وميلاد المسيح؟ أو ليس أن غيرها يكاد
    يكون "إسلاميا" أكثر منه "مسيحيا"؟ فميلاد السيدة العذراء مثلاً، أو
    إدخالها الهيكل،لا ذِكر لهما في الإنجيل، بل القرآن هو الذي ذكرهما، وإن
    كان قد ورد ذكرهما في بعض الكتابات المسيحية الأولى من خارج "العهد
    الجديد"، فتبنّت الكنيسة هذا التقليد وأدخلته في أعيادها، منذ ما قبل
    الإسلام بزمن طويل. أليس في كل
    هذا التلاقي ما يدعو الى التأمل والبحث والتفكير؟

    ومن اللافت في العقود الأخيرة ان الاهتمام بالإيقونة لم يبقَ حكرا او وقفا
    على المسيحيين وحدهم، بل أكبّ على دراستها وتفحُّصها والتأمل فيها أتباع
    مختلف الديانات والمذاهب في مشارق الأرض
    ومغاربها. وقد كان لبعض الإخوة المسلمين السبق في هذا المضمار.
    وحسبنا ان نذكر، على سبيل المثال، الرسام اللبناني محمود الزِّيباوي (هل
    تُرى جذوره تعود الى بلدة الزِّيب الجليلية ؟) الذي وقف حياته كلها على
    خدمة هذا الفن، ونشر روائعه الخالدة في مختلف لغات العالم، حتى قال فيه
    اللاهوتي الأرثذكسي الشهير أوليفييه كليمان:" لقد سبر (محمود الزيباوي)
    عمق اللاهوت وعمق التصوّف في المسيحية وفي الإسلام...وهو الذي جعلني أكتشف
    غنى الفن التصويري الإسلامي..." ويتابع في الكلمة التي قدَّم بها لكتاب
    الزيباوي ("الإيقونة"): "لقد فكّر محمود الزيباوي كثيرا، وبحث كثيرا، وعمل
    كثيرا في ما يخصّ فن الشرق المسيحي، فأنتج هذا الكتاب، الذي يبدو لي لأول
    وهلة كتابا متفوقا، بل من أدقّ وأكمل ما كُتِبَ في معنى وتاريخ
    الإيقونة...". ولا يخشى من مقارنته بكبار شرّاح الإيقونات الروس
    والغربيين، مع الميزة للزيباوي انه نشأ وترعرع حيث نشأ فن الإيقونة
    بالذات، أي هذه "الرقعة السورية الفلسطينية السينائية، حيث صَهرت بوتقةُ
    الوحي الإنجيلي مختلف العناصر، التي يُكِبّ الزيباوي على تحليلها، ليجدها
    جميعا تتقارب في تواردٍ أو تلاقٍ كونيٍّ عجيب". فهذا السعي الى التقارب
    والتلاقي هو ما ألهمني أن أقدّم الى ابناء شعبي ووطني أجمل هدية وعيدية
    للسنة الجديدة، رزنامة "الإيقونات العربية"، وفيها بعض التعليقات
    والشروحات من وحي الخاطر الضعيف، علّها تسهم في إقامة المزيد من جسور
    التواصل والحوار، والتفاهم والتعاون وبناء السلام.

    ومن دواعي الغبطة بشأن هذا الحوار المسيحي الإسلامي (وبقطع النظر عن أي
    علاقة بالإيقونات)، أنه آخِذٌ في التنامي بسرعة وعلى أعلى المستويات. لقد
    كنّا أشرنا، في مقال لنا بتاريخ 2/11/2007، تحت عنوان "بين المسيحية
    والإسلام"، الى الرسالة التي بعث بها، صبيحة عيد الفطر الأخير
    (12/10/2007)، مئة وثمانية وثلاثون من كبار علماء المسلمين الى قداسة
    البابا بندكتس السادس عشر، والى
    القيادات المسيحية العُليا الأخرى، يطلبون فيها المزيد من التفاهم
    والتقارب بين المسيحية والإسلام. ثم رحنا نتابع، عبر وسائل الإعلام، بعض
    التعليقات وردود الفعل على هذه الرسالة، الى أن التقينا هذا الأسبوع مرتين
    نيافة الكردينال جان لويس توران، رئيس المجلس الحبري للحوار بين الأديان
    في رومة، مرة في دير البندكتيين في بلدة ابو غوش، وأخرى في الغداء الذي
    أقامه السفيرالبابوي في القدس على شرفه. فأوضح لنا نيافته ان الدوائر
    والمراجع الرومانية المختصة عكفت على دراسة الرسالة المذكورة باهتمام، وان
    قداسة البابا رحّب بها شخصيا، وأوعز الى أمين سرّ الدولة في الفاتيكان،
    الكردينال ترشيزيو برتوني (وهو اول شخصية في التراتبية بعد البابا)
    ان يتولى الإجابة باسم قداسته. فكتب الى صاحب السموّ الملكي الأمير غازي
    بن محمد بن طلال، رئيس مؤسسة أهل البيت للفكر الإسلامي (وهو الذي كان
    تولّى إيصال رسالة العلماء الى رومة) ينقل اليه والى موقّعي الرسالة شكر
    قداسته وتقديره المبادرة. ونوّه بما في الرسالة من روح إيجابية، ودعوة الى
    الالتزام المشترك لتعزيز السلام. وتشير رسالة الكردينال الى أنه، ورغم
    التباينات والاختلافات القائمة، لا بدّ أيضا من اكتشاف ما يجمع، كالإيمان
    بالله الواحد، خالق كل الكائنات، وديّان الجميع في اليوم الآخر...وقداسته
    واثق أن لا بدّ من إقامة الحوار على أساس احترام الكائن البشري، والتعرف
    الموضوعي لديانة الآخر، وتبادل الخبرات الدينية، والالتزام المشترك لتعزيز
    السلام في العالم... وتنقل الرسالة أخيرا رغبة قداسته في استقبال الأمير
    ومن يختار معه، في زيارة للبابا نفسه وللدوائر والمراجع الرومانية
    المعنيّة. - هل أجمل من هذه البشرى نزفّها لجميع أبناء شعبنا عيدية
    مباركة، عشية
    الميلاد المجيد والأضحى المبارك ورأس السنة الجديدة؟

    المطران بطرس المعلم - abouna.org


    _________________
    الحق الحق اقول لكم ان من يسمع كلامي ويؤمن بالذي ارسلني فله حياة ابدية ولا يأت إلى دينونة بل قد انتقل من الموت الى الحياة." (يوحنا 5: 21-24).

      الوقت/التاريخ الآن هو 2017-04-29, 02:41